HINA YATROKO AL CHITEE KALBI
ISBN : 9789938242188
حين ينبثق الفرح من قلب الجرح يكون الشتاء حتما نابضا بالحياة زاخرا بالمعاني. إنه في رواية محمّد رويس شتاء محبوك ينبت فيه المعنى من أديم المفارقات والتعارض . تعارض يضع الذات أمام المعنى ونقيضه ليختبر صبرها واحتمالها وقدرتها على الفهم. إنّها لعبة المؤلّف الذي يتقن التنقل بين ذوات عدّة، ذات البطل حينا وذات القارئ حينا آخر، ليصنع رسالة قوية مثقلة بكدر اللحظة ومشبعة في الآن نفسه بالأمل في الحياة. لقد لجأ المؤلف إلى حيل سرديّة شتّى ألبسته قناع الآخر يتخفّى فيه مرّة ويكشف عن وجهه مرّة أخرى، يحتضن القارئ في عوالمه الدّاخليّة، ثمّ يطرحه على قارعة واقع ممكن، ليرفع الحواجز بينه وبين شخصيات عديدة تجيد التعبير عن صميم الحياة بجروحها وخيباتها وعقدها واعتلالاتها. شخصيّات متنقلة بين أزمنة وفضاءات شتى، كتومة مرّة صاخبة مرارا أخرى.
LAYSSA LADA AL COLONEL MEN YOKATIBHO
«ليس للكولونيل من يكاتبه» كانت أول عمل قصصي طويل كتبه ماركيز ونشره في وقت كان لا يزال يخطو فيه خطواته الأولى في عالم الكتابة الأدبية – ولو أن تجارب عدة وتحضيرات أكثر عدداً، كانت قد بدأت تكوّنه ككاتب -، هو الذي كان، حين كتابة هذا العمل، لا يزال يعمل في الصحافة، فالعمل كتب عامي 1956 – 1957 ونشر عام 1961 للمرة الأولى، وهي الفترة حين كان ماركيز يعيش في باريس، ومن هنا طابعها شبه التقريري، ولغتها شبه الكلاسيكية، وغياب الغرائب عنها، ولعل ماركيز، الذي كان يعاني ما يعاني من فقر في سنواته الباريسية تلك، استوحى عالمها من حال الضيق التي كان يعيشها شبه عاطل عن العمل، لا تقوم تحقيقاته الصحافية بأوده، كما أنه استوحى شخصيتها الرئيسة من جد له، كان ضابطاً كبيراً في الجيش، في هذا النص، جمع ماركيز إذاً، بين ملامح شخصية جده، وبين وضعه المالي المزري، جاعلاً من ذلك الجد، في صفحات القصة، ضابطاً متقاعداً عجوزاً يعيش مع زوجته العجوز بدورها، ليس لهما من الحياة والعيش سوى الذكرى الأليمة، لإبن شاب وحيد قضى في أعمال القمع السياسي، مخلفاً لهما، على سبيل الإرث، ديكاً يصطحبه العجوز بين الحين والآخر، ليخوض به مباريات ورياضة صراع الديوك، وذلك في المرات القليلة التي يخرج فيها من بيته لسبب ما، أما من ناحية أخرى، فإن الكولونيل كان يخرج وفي شكل شبه منتظم الى دائرة البريد، حيث ومنذ ما لا يقل عن خمسة عشر عاماً، يسأل، من دون جدوى عما إذا كانت قد وصلته رسالة ما، والحقيقة أن الكولونيل، الذي لا اسم له في القصة كما حال زوجته التي لا اسم لها بدورها، لم يكن في دائرة البريد يسأل عن رسائل، بل عن رسالة واحدة معينة لا يفتأ ينتظرها منذ استقر هنا في هذه البلدة الصغيرة التي تكاد تكون منفى بالنسبة إليه، ذلك أنه قبل أكثر من عقد ونصف عقد كان قد شارك في تحرك عسكري سرعان ما قمع وصرف الكولونيل على أثره من الخدمة، مع وعد بأنه – على أية حال – سينال معاشاً تقاعدياً، لكن الرسالة التي تعلن بدء إرسال المعاش إليه، لم تصل… وهي لا تعرف كيف تصل حتى الآن، والحال أن القارئ لن يجهد كثيراً قبل أن يعرف أن هذه الرسالة الموعودة المتعلقة بالمعاش الموعود، هي هي الرسالة التي ينتظرها الكولونيل ويقصد دائرة البريد سعياً وراءها، وهو لا يمكنه أن يأمل، في الحقيقة، في تلقي أية رسالة أخرى، ذلك أن ليس له أصلاً من يكاتبه، إنه وزوجته وحيدان تماماً، غريبان تماماً، صامتان تقريباً، تمضي أيامهما في أمل يتجدد وبؤس يترسخ، لكن اللافت حقاً هو أن الكولونيل لم يبدل على مرّ السنين عادة اتبعها منذ أول زيارة له الى دائرة البريد: حيث انه اعتاد أن يرتدي أفضل وأجمل بذلة لديه: البذلة التي تليق بالموقف، بالكولونيل الذي يستعد دائماً لتلقي الرسالة، ولكن الكولونيل يبدو لنا الوحيد الذي كان وظل يؤمن بأن الرسالة ستصل، فالجميع كانوا يعرفون أن الرسالة لن تصل أبداً، لا في يوم الجمعة الذي يقصد فيه الدائرة أسبوعياً، بانتظام، ولا في أي يوم آخر من أيام الأسبوع، بل لعل في إمكاننا أن نقول هنا، إن الكولونيل نفسه كان يعلم علم اليقين أن الرسالة لن تصل، لكنه كان يريد التمسك بذلك الأمل، وتجديده أسبوعاً بعد أسبوع، لأنه كان يعرف باليقين أنه إن استسلم لليأس، إن أقرّ بأن ما من رسالة هناك، وما من معاش سيصل اليه ذات يوم، سيكون قد قضى على أي مبرر لوجوده ولوجود زوجة معه، بعد أن قضى مقتل ابنهما على يد القوى الفاشية، على أي أمل لهما بالبقاء في ما وراء موتهما.
TAALA AYOUHA AL SAEMO...!
ISBN : 9789909983782
في هذا الكتاب القصصيّ العجيب، يجترحُ وليد أحمد الفرشيشي كتابةً أخرى، كتابةً تكسرُ بأسلوبٍ بريشتيّ ساخرٍ ذلك الجدار الرّابع بين الكاتبِ والقارئ، وكأنّنا به يستدرجنا إلى لعبته الخاصّة، لعبة تحملُ شعارًا مخاتلًا: ما من إجابةٍ خارج تمرين الكتابة...
والحقّ أنّ الكاتب كان واعيًا تمام الوعي، وهو يستعرضُ أمامنا مسوخه وكوابيسهُ وهوّاماته، بأنّ الكتابة نفسها تمرينٌ على الحفر، حفر يفضّل الأسئلة على الأجوبة الجاهزة، مستدعيًا في كلّ ذلك ما يختزنهُ من مرجعيّاتٍ، سواء أكانت فنيّة أو فلسفيّة أو دينيّة. وهذا الاستعراض ما هو في واقع الأمر إلّا مساءلة لانهيارات أجيالٍ عالقة داخل دوّامةٍ نازفة، فلا هي استلقت تحت شمس الحريّة ولا هي اقتلعت جذور الاستبداد من تفاصيلها.
في قصص هذا المتن الحكائيّ اللذيذ، ثمّة قاضٍ تقتله كوابيسه وثمّة شاعر يموت في بالوعة مجاري وثمّة عابد يُطعمُ من لحمه وثمّة شرطيّ يؤول كتابات الأطفال وثمّة سجينٌ يمضي إلى موته ضاحكًا وثمّة مصلوب يبشرّ بالإنسان وثمّة زعيم دخل إلى غيبته الكبرى فنسيه النّاس تمامًا وثمّة عاقل يهربُ إلى جنونه وثمّة.... حيوات يقترضها وليد أحمد الفرشيشي من سخامِ الإسفلت ليقول لنا، وهو يتدخّل في النصّ ويحاورنا علانيّةً، إنّ ما يرويه ليس مهمًّا، فالمهمُّ عندهُ هو أن نشعرُ معه بالسّأم من وجودٍ يكوّر قبضته في وجه ما نشتهيه جميعًا: الحريّة...!